قراءة الروايات مضيعة للوقت

من لم تتردد هذه الجملة أمامه؟ هل قراءة الروايات مضيعة للوقت؟ هل يجب أن نقرأ المقالات العلمية والكتب التاريخية ونترك الروايات فقط لأنها من محض الخيال ولا تمت للواقع بأي صلة؟

فعلاً الروايات تكون عادة من نسج خيال الكاتب ولكن مع ذلك فهي لها ارتباطات كثيرة بواقعنا. عادة لا يوجد هناك فكرة خيالية بالمطلق, لا نستطيع, على الأقل حتى الآن, أن نثبت أن هناك فكرة أتت من العدم. الخيال عبارة عن أفكار متكدسة في ذاكرتنا تبرمج عشوائياً وتتحول الى افكار غريبة أو جديدة ورغم انها أحياناً تكون مشابهة للواقع ولكننا نعتبرها أنها لم تحدث من قبل, أو أنها غير ممكنة الحدوث في المستقبل. الروايات حدها واسع, هناك الروايات التاريخية التي تكون مستندة على حادثة أو واقعة تاريخية مسجلة لدينا, ولكن بإضافات للكاتب. وهناك روايات الخيال العلمي التي تكون عادة تخمينات مستقبلية لعالمنا استناداً للمعرفة العلمية المتوفرة في وقتنا الحالي.

وهناك طبعاً صنف الغرب الأمريكي ورعاة البقر, وروايات التشويق والإثارة والغموض والرومانسية الخ. من التصنيفات المختلفة. هل هناك صنف أهم من الآخر؟ ما الفائدة التي نرجوها من هذه الروايات؟ وهل من الأفضل قضاء ساعة ونصف أو ساعتين في مشاهدة فيلم سينمائي على أن نمضي 10 ساعات أو أكثر في قراءة رواية طويلة؟

طبعاً, قمت بطرح الكثير من الأسئلة وحان الآن وقت الإجابة. في البداية, عملياً يمكن أن نسلّم بأن القراءة مهمة وتتمتع بمحورية هامة في حياتنا. القراءة عبارة عن استقبال لمعلومات وترجمتها. الفوائد جمة ولكن أهميتها الاولى تكمن في ربط الإنسان الحاضر بتاريخه. حياتنا الآن كلها تعتمد على القراءة, اذا اعتكفت في المسجد, فلن تجد غير القرآن. وان أردت دراسة القانون أو الطب أو الهندسة فلن تجد غير الكتب الدراسية لكي تستقي منها معلوماتك. اذاً هذا الموضوع مفروغ منه. ولكن ماذا عن روايات الخيال والقصص؟ عند قراءة رواية ما, هناك شخصية وحبكة, هناك بداية ونهاية, هناك محادثات, أسئلة وأجوبة وتخيلات وحركات جسدية صامتة. وكلها في امكانك تخيلها كقارئ.

’نحن نستطيع القول بأن الفنان والمصاب بمرض عصبي يقضمون أكثر مما يستطيعون هضمه. لكن الفرق هو أن الفنان يقوم باعادة رمي ما تناوله خارجاً في شكل أكثر موضوعية ومشروع عملي نشط وخارجي‘ هذا الإقتباس من الكاتب والناشط بالانثروبولوجيا الثقافية ارنست بيكر.

عندما كنت صغيراً دائماً ما سألت من حولي عن فائدة قراءة الروايات. والاجابة كانت في كل مرة أنها ثقافة عامة. ولكن الآن انا أعتبرها اجابة ناقصة. فالروايات رغم أنها ممتعة وطريقة جيدة لقضاء الوقت, الا أن فوائدها لا تنكشف الا لمن تشبع بها. عندما نقرأ التبر لإبراهيم الكوني مثلاً, فنحن نضع أنفسنا مكان اوخيد ونبدأ بتخيل لهيب الشمس فوق رؤوسنا وصمت الصحراء الرهيب والخطيئة والحرية والوحدة وكون الانسان كائن غريب. وعندما نقرأ الجريمة والعقاب لفيودور دوستويفسكي, نتخيل أنفسنا مكان راسكولينوف وكيفية كون الأخلاق شيء مربك وغامض. ولماذا يعبد الناس الاستثنائيين الذين ماتوا ويجرّم الذين لا زالوا على قيد الحياة؟ وعند قراءة جين اير لشارلوت برونتي مثلاً, نتخيل أنفسنا في مكان امرأة عاشت في القرن الثامن عشر وتمردت على القوانين الظالمة في مجتمعها في جميع أشكالها, من الطبقية وعدم المساواة الجنسية, وكيف أن الحب يستطيع منح معنى للحياة, وحين يختفي هذا الحب سواء كان متمثلاً في الحبيب أو الزوج أو الصديق أو العائلة أو الرب, فإن المعنى يصبح عذاباً موقداً ومستمراً في حرق كل شيء في حياتك.

الروايات نسخة من الواقع. الروايات تحاكي ما لم تنقله لنا الكتب العلمية بطريقة أوضح أو أقرب. الروايات تشرح لك كيف تجد نفسك في يوم من الأيام في مواجهة أخوك وصديقك أو أختك وكل منهم يحمل فكراً فلسفياً أو سياسياً مغاير لك. الرواية تشرح لك كيف تجد نفسك في جبهة تقاتل فئة تتضمن أصدقائك المقربين. الروايات بكافة أنواعها مهمة, وهي عبارة عن نوع من أنواع الفن نستمتع به وبنفس الوقت نستفيد منه بأفكار ومفاهيم تتعلق بالأخلاق والجمال والمنطق والتسامح والتسامي وفهم مشاعر الآخرين والأسباب التي دعتهم ليفعلوا ما يفعلون. الروايات والقصص تجعل منك انساناً متكاملاً. وتفسيرها يتوقف على تجاربك الحياتية وخلفيتك وبيئة نشأتك. ورغم كون الأفلام والمسلسلات تختصر كثيراً من الوقت عليك. الا أن الطريقة الأقرب الى مخيلة الفنان هي القراءة من الكتب سواء كانت ورقية أم الكترونية. فعند القراءة, يعتمد مخك بنفسه على تخيل شكل الشخصيات والأماكن وتعابير الوجه, فلا يكون هناك داع لتخيل المخرج وتجاربه الشخصية. عند القراءة, تكون المحادثة بينك وبين الكاتب. بين تجارب حياته وتجاربك. بين أصدقاءه وأصدقائك. بين معارفه ومعارفك. بين روحه وروحك.

في الختام نستطيع الجزم بأن قراءة الروايات والقصص ليست مضيعة للوقت, ولا يهم كونها روايات ادبية عالمية أم قصص قصيرة محلية. عند التوسع في عالم الروايات تتفتح أمامك أبواب كثيرة, لا يستطيع أحد تفسيرها غيرك أنت. مثلاً اللوحة المرفقة هي للفنان السريالي رينيه ماغريت واسمها القارئة المنقادة أو المخضعة. وتظهر فيه امرأة تقوم بقراءة كتاب ويملأ وجهها نظرة ارتياب او رعب. ذراعها التي تمسك بها الكتاب تبدو متباعدة وكأنها تريد وضع الكتاب جانباً وعدم الإستمرار في الكتابة, ولكن في نفس الوقت نستطيع أن نقول أن الصدمة جعلتها مقيدة في مكانها عاجزة عن الحركة. اذا أثارك الفضول في تجربة الحالة التي تمر بها هذه الامرأة تستطعين بكل بساطة البدء في قراءة او استكشاف رواية معينة. أتمنى لكن التوفيق.

قلم: Maaz Belkheir

the-submissive-reader-1928(1).jpg!Large

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s