المعانة المزدوجة

في حصةِ أولِ أمس كنَّا نناقش مفهوم الانترسكشنالاتي و هو مفهوم فكري ونظرية انبثقت من الفكرِ النسائي الأمريكي الإفريقي،(تعريف المصطلح بإختصار: تحكي النظرية عن معاناة النساء السوداوات ونظيراتهنَّ من النساء من ذوي البَشرةِ الملونة في المجتمعات البيضاء العنصرية ذات الصِبغة الذكوريَّة ، فهنَّ يتعرضن للإضطهاد بسبب عرقهم الملون والمختلف ويتعرضن كذلك للاضطهاد بسبب جنسهم الأنثوي وأحيانا بسبب طبقتهم الاجتماعية الفقيرة ومن هنا جاءت الناشطة السوداء كرنشاو التي خلقت هذه النظرية كأداةٍ للتحليل وطريقةٍ لدراسة تداخلِ العرق بالجنسِ والطبقة الاجتماعية في المرأة الواحدة وأيضًا هي نظرية تركّز على تجارب المرأة السوداء كأساسٍ للحركة النسائية) ,,

وأنا هنا أقف وأفكّر في كم المرَّات التي أحسست بها بالعنصرية من قِبل زميلاتي ورفيقاتي في الحركة النسائية فهمّ غيرُ مدركين لمعطى حيوي جدًا يتمثل في سؤال هام ماذا يعني أنَّ أكون أمازيغيَّة ؟ وأقف تارةً أفكّر في الحركة الأمازيغيّة وكم مرةً أتُهمتُ “بالخيانة” وعدم الولاء للقضية الأمازيغيّة لأنني إتجهت للحركة النسائية ..

أعزائي دعوني أحدّثكم عن معاناتي المزدوجة وتجربة كلّ من هنّ في مثل حالتي، إنني أتعرض للعنف الذي لأول مرةَ أجد الكلماتِ المناسبة للتعبير عنه بمثل هذه الصراحة، إنني أتعرض للعنف من قِبل النساء الناشطات لأنهنّ يتصرفنّ معي طِبقا لتجربتهنّ وتجربة من على شاكلتهنّ، تجربتي التي بدوتْ فيها غريبةً وأجنبية في وطني الأم، تجربتي عندما فُرض عليَّ بالقوة التنازلَ عن لغتي في السنواتِ الأولى،حيث لم أعرف لغةً غيرها وكذلكَ استهزاء الأطفال لي عندما أصبتُ بمرض عسرٍ في القراءة،

تجربتي عندما كنت في المرحلةِ الثانوية سعيدةً بتعلمي الأبجديةَ الأمازيغيّة من على شبكة الإنترنت أكتب أسماءَ صديقاتي على لوحةِ السبورة وإذ بنائب المدرسة يستدعيني لإنذاري أو (تهديدي) بالفصل النهائيّ إذا عاودت الكرة ثانيةً.

تجربتي عندما زلَّ لساني وتحدثت مع معلمتي في المدرسة باللغةِ الأمازيغيّة فأفاجأ بها تُلقي علي مسامعي محاضرةً عريضة مؤداها كيف يجب أن يكون ليَ الفخر إن تحدثت باللغةِ العربية وحاولت تدليل حُجَّتها بأن كتاب “القرآن” نفسه قد نزل “بلسانٍ عربيّ” وكيف يجب أن أنسى لغةَ التخلف كما أسمتها ..

وتجربتي في السنة الأولى في الجامعة عندما قدمتُ بحثًا عن الأمازيغيّة رأيت زملائي في الصف يقولون “أول مرة نسمعوا بيكم جيتو من المريخ؟”. أيضًا في تجربتي داخل أروقة المحافل النسائية مؤخرًا حين أسمع في كلِّ مرة مصطلحات كالــ”المرأة العربية” “المجتمع العربي” وكأن النساءَ في ليبيا يتمحورنَ حولَ الهُوية العربية فقط، ففي تجربتي حينما أطلب كل مرة ترجمةَ ما تيسَّر بالأمازيغي وكأن بي أثبت وجودي وأبرهن لنفسي وللعالم أنّ لي جذور يسعى الجميع إلى تجاهلها عمدًا ،وفي كلِّ مرة أحاول فيها ذلك أصطدمُ بجملةٍ من العوائق .

في تجربتي مع النساء النازحات أمازيغيات الصحراء، حيث تعمل المنظمات الدولية والمحلية لتحسين أوضاعهم المعيشية ولا يوجد في الطاقم من يجيد التحدث بالأمازيغيّة !!! (أغلب النساء هنَّ أميات في اللغة العربية ولا يجدن التحدث غير أن الرجال وبسبب طبيعة أعمالهم وإختلاطهم بالعرب يجيدون القليل منها بإستثناء الكهول منهم) حينها أحسستُ بمعاناتهم ورأيتُ فيها عمق ما أعانيه على الصعيد الشخصي ، التجارب التي قلتها ولم أقلها ولد فيها النزاع بداخلي، كم مرةً حاولت إنكار هويتي وذاتي و كم مرة أحسست بالعار والإشمئزاز، كم مرةً أحسست فيها بأدوات الصراع تفترسني والإزدواجيَّة ينهش عقلي فأنا في بيتي أمازيغية وفي الخارج أنا فتاة هجينة أحاول جاهدةً إرضاء الآخرين والإندماج معهم .

فكلُّ هذه التجارب عايشتها من كانت لها هُويةٌ أمازيغية أو تباويَّة (ولا أعني هنا المتحدثين أو غير المتحدثين بالأمازيغيّة فهنالك من الناطقات اللائي ليس لديهنّ الوعي الكافي بهُويتها وهنالك من غير الناطقات من لهنّ الوعي بهويتها الأمازيغية) على هيئة أشكال من العنف والاضطهاد الممنهج والغير الممنهج ضد النساء الأمازيغيات على وجه الخصوص كُثر همّ المغيبون في الحركة النسائية الليبية هذا من ناحيةَ. ومن ناحية أخرى، أنا أتعرض للعنف والعنصرية والاضطهاد من قِبل مجتمع لا يسمح فيهِ لغير الذكر مقامًا وذنبي التاريخي لأنّي قد ولدتْ في جسد ِأنثى (تعرفوا باقي القصة). وأنا هنا “حاصلة” مابين عنصرية عرقية وهيمنة ذكورية”

كتابة : إيناس ميلود

 

Painting by Taziri Gadmur 

From her website :

“The main symbol in this piece represents ‘Freedom’ and is one that has been adopted by The Amazigh to symbolize their identity as a people, it is also the letter Z in the Amazigh alphabet, The Tifinagh. Also incorporated into the piece, whether on the surface, hidden between layers or merged into the body of the painting are several symbolic representations of the feminine.”

Advertisements

One comment

  1. عايشه نفس معاناتك تماماً , الشي الصعب انك تحاولي تكوني شخصين في الحوش انتي انسانه امازيغيه بالكامل وبرا الحوش نحاول نندمج مع صحباتي والناس واني نتكلم بالعربيه كان بابا ومازال انسان مهتم بالامازيغيه وديما يحاول يعلمنا وميبيش لغتنا وهويتنا تُنتسى والشي الصعب ان وقتها مكنتش نقدر نشارك الموضوع مع حد ومكنتش نقدر نقول لاقرب الناس ليا اني نعرف الامازيغيه والكتابه بيها اولا لأن هما مش مستوعبين الموضوع وثانياً لان وقتها كان شي مخالف للقانون , ولتوا لو تكلمت بالامازيغيه حتى ولو اني اختي قدام الناس ح تعتبري ” عنصريه _ او تجكتري / تفشكي ” … ومش فاهمين ان نحنا تعلمنا الامازيغيه قبل العربيه ان لغتي الثانيه العربيه ام لغتي الام الامازيغيه؟

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s